مجمع البحوث الاسلامية
244
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
( البرّ ) هاهنا : مجاز صفة ل مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وفي الكلام : ولكنّ البارّ من آمن باللّه . [ ثمّ استشهد بشعر ] ( 1 : 65 ) المبرّد : وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ فجائز أن يكون : برّ من آمن باللّه ، وجائز أن يكون : لكنّ ذا البرّ من آمن باللّه . ( 1 : 168 ) الطّبريّ : اختلف أهل التّأويل في تأويل قوله ذلك ، فقال بعضهم : معنى ذلك ليس البرّ الصّلاة وحدها ، ولكنّ البرّ الخصال الّتي أبيّنها لكم . وقال آخرون : عنى اللّه بذلك اليهود والنّصارى ، وذلك أنّ اليهود تصلّي فتوجّه قبل المغرب ، والنّصارى تصلّي فتوجّه قبل المشرق ، فأنزل اللّه فيهم هذه الآية ، يخبرهم فيها أنّ ( البرّ ) غير العمل الّذي يعملونه ، ولكنّه ما بيّنّاه في هذه الآية . وأولى هذين القولين بتأويل الآية : القول الّذي قاله قتادة ، والرّبيع بن أنس ، أن يكون عنى بقوله لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ اليهود والنّصارى ، لأنّ الآيات قبلها مضت بتوبيخهم ولومهم ، والخبر عنهم وعمّا أعدّ لهم من أليم العذاب ، وهذا في سياق ما قبلها ؛ إذ كان الأمم كذلك ؛ ليس البرّ أيّها اليهود والنّصارى أن يولّي بعضكم وجهه قبل المشرق ، وبعضكم قبل المغرب ، وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتابِ الآية . فإن قال قائل : فكيف قيل : وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وقد علمت أنّ ( البرّ ) فعل ، و ( من ) اسم ، فكيف يكون الفعل هو الإنسان ؟ قيل : إنّ معنى ذلك غير ما توهّمته ، وإنّما معناه ولكن البرّ كمن آمن باللّه واليوم الآخر ، فوضع ( من ) موضع الفعل اكتفاء بدلالته ودلالة صلته الّتي هي له صفة من الفعل المحذوف ، كما تفعله العرب فتضع الأسماء مواضع أفعالها الّتي هي بها مشهورة ، فتقول : الجود حاتم ، والشّجاعة عنترة ، وإنّما الجود حاتم ، والشّجاعة عنترة . ومعناها : الجود جود حاتم ، فتستغني بذكر حاتم إذ كان معروفا بالجود ، من إعادة ذكر الجود بعد الّذي قد ذكرته ، فتضعه موضع جوده ، لدلالة الكلام على ما حذفته ، استغناء بما ذكرته عمّا لم تذكره ، كما قيل : وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيها يوسف : 82 ، والمعنى : أهل القرية ، وكما قال الشّاعر ، وهو ذو الخرق الطّهويّ : حسبت بغام راحلتي عناقا * وما هي ويب غيرك بالعناق يريد بغام عناق أو صوت ، كما يقال : حسبت صياحي أخاك ، يعني به حسبت صياحي صياح أخيك . وقد يجوز أن يكون معنى الكلام : ولكنّ البارّ من آمن باللّه ، فيكون ( البرّ ) مصدرا وضع موضع الاسم . ( 2 : 94 ) الزّجّاج : المعنى ليس البرّ كلّه في الصّلاة وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ . . . وَأَقامَ الصَّلاةَ إلى آخر الآية ، فقيل : إنّ هذا خصوص في الأنبياء وحدهم ، لأنّ هذه الأشياء الّتي وصفت لا يؤدّيها بكلّيّتها على حقّ الواجب إلّا الأنبياء عليهم السّلام . وجائز أن يكون لسائر النّاس ، لأنّ اللّه عزّ وجلّ قد أمر الخلق بجميع ما في هذه الآية . ولك في ( البرّ ) وجهان : لك أن تقرأ لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ